أبي حيان الأندلسي
684
تفسير النهر الماد من البحر المحيط
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ هذا تقرير وتوبيخ أي قد ساروا ونظروا إلى ما حل بمن كان قبلهم من مكذبي الرسل . وَأَثارُوا الْأَرْضَ أي قلبوها للزراعة وغير ذلك وعمروها من العمارة أي بقاؤهم فيها أكثر من بقاء هؤلاء أو من العمران أي سكنوا فيها وقرىء عاقبة بالرفع وهي اسم كان * والذين أساؤا من وضع الظاهر موضع المضمر كأنه قال عاقبة مكرهم وخبر كان قوله السوأى وهي الحالة السيئة والسوأى افعل تفضيل مؤنث تذكيره الا سوء ويجوز أن يكون السوأى مصدرا منصوبا باساؤا وان كذبوا هو الخبر أي تكذيبهم بآيات اللّه وقرىء عاقبة بالنصب على أنه خبر كان واسمها يجوز أن يكون السوأى ويجوز أن يكون ان كذبوا أي تكذيبهم فيكون السوأى مصدر الأساؤا قال الزمخشري : ويجوز أن يكون أن بمعنى أي ووجه آخر وهو أن يكون أساؤا السوأي هنا بمعنى اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايات وان كذبوا عطف بيان لها وخبر كان محذوف كما يحذف جواب لما ولو إرادة الابهام « انتهى » * وكون أن هنا حرف تفسير متكلف جدا وأما قوله وإن كذبوا عطف بيان لها أي للسوأى وخبر كان محذوف الخبر فهذا فهم أعجمي لأن الكلام مستقل في غاية الحسن بلا حذف فيتكلف له محذوف لا يدل عليه دليل وأصحابنا لا يجيزون حذف خبر كان وأخواتها لا اقتصارا ولا اختصارا إلا أن ورد منه شئ فلا يقاس عليه . يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ أي لا ينطقون * في روضة والروضة الأرض ذات النبات والماء . يُحْبَرُونَ يسرون حبره سره سرورا تهلل له وجهه وظهر له أثره ومعنى محضرون مجموعون له لا يغيب أحد منهم وجاء في روضة منكرا وفي العذاب معرفا والتنكيل لإبهام أمرها وتفخيمه وجاء يجدون بالفعل المضارع لاستعماله لمتجدد لأنهم كل ساعة يأتيهم ما يسرون به من متجددات الملاذ أو أنواعها المختلفة وجاء محضرون باسم الفاعل لاستعماله للثبوت فهم إذا دخلوا العذاب يبقون فيه محضرين فهو وصف لهم لازم .